وهذه ردود لبعض المشائخ على الكلباني
قال الشيخ صالح اللحيدان رئيس المجلس الاعلى للقضاء السابق وعضو هيئة كبار العلماء
ان على الشيخ عادل الكلباني ان يبقى في مسجده يؤم المصلين ويقرأ القرآن، ولا دخل له في مسائل الفتوى.
جاء ذلك ردا على سؤال حول راي فضيلته فيما قاله الشيخ عادل الكلباني باباحة الغناء
وانه لا يوجد دليل في القران والسنة يحرم الغناء، فقال الشيخ اللحيدان ان الشيخ الكلباني
لا دخل له في مسائل الافتاء
وعليه ان يبقى في مسجده يقوم بامامة المصلين ويقرأ القرآن، ولا يتدخل في هذه المسائل الخاصة بالفتوى.
السعيدي: الكلباني مجرد إمام وليس مؤهلاً للفتوى في الغناء أو غيره
إبراهيم العبد اللطيف - سبق - الرياض :
قال الدكتور محمد السعيدي الأستاذ بجامعة أم القرى إن الشيخ عادل الكلباني ليس مؤهلاً للفتوى, ولا هو ممن تؤخذ عنهم أو منهم الفتوى, وقال الدكتور السعيدي: إن جميع الأئمة من السلف رحمهم الله يقولون بتحريم الغناء .
وفيما يتعلق بفتوى الشيخ عادل الكلباني إباحة كل صنوف الغناء, قال الدكتور محمد السعيدي: بغض النظر عما لهذه الفتوى من أصول في فقه السلف أو عدم وجود أصول لها, فإن الشيخ عادل ليس ممن تؤخذ منه الفتوى, فهو حتى هذه السن من عمره، نسأل الله تعالى أن يمد فيه بطاعته، لم يُعرف عنه الفقه، ولم يشتهر بالفتوى، ولا يعلم الناس عنه سوى كونه إماماً لمسجد من مساجد الرياض.
وأضاف السعيدي: تولى الشيخ الكلباني فترة من الزمن الصلاة بالناس في الحرم المكي, ومجرد الإمامة ليست مؤهلاً للفتوى، ولاسيما الفتوى التي تعلن على الملأ وتتخذ شكل التعميم, فمجرد الفتوى لا تقبل من أمثاله ممن بلغوا هذه السن ولم يُعهد لهم سابقة في الفتيا المنقولة (أي الناتجة من تقليد), فما بالك به اليوم وهو يفتي في قضية يخالف فيها الأئمة الأربعة وجماهير السلف, مثل هذا لا يمكن للمسلم أن يأخذ عنه دينه, وقد جاء في الأثر: إن هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم, وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتدافعون الفتيا في الأمور التي فيها نص، خوفاً من التقدم بين يدي الله تعالى وإحلال ما حرم أو تحريم ما أحل، وهم مَن هم في العلم وقرب العهد برسول الله صلى الله عليه وسلم, فكيف بنا اليوم ونحن نجد من أمثال هذا الشيخ من يتجرأ على مخالفة جماهير الأمة من دون أن تُعرف له سابقة في الفتيا، ولا تزكية من العلماء له .
وقال السعيدي: إن جميع الأئمة من السلف، رحمهم الله، يقولون بتحريم الغناء، وحكاه بعضهم إجماعاً، مثل ابن الصلاح وابن حجر الهيتمي الذي ألّف كتاباً مستقلاً في ذلك, وكل من يُنقل عنهم إباحة الغناء، ففي النقل عنهم نظر, ومِن هؤلاء عبد الله بن جعفر رضي الله عنه، ينقل بعض القُصاص كأبي الفرج الأصفهاني وغيره، إباحة الغناء، ولم يثبت ذلك عنه, ولو ثبت فهو عمل صحابي، وعمل الصحابي ليس حجة عند جميع العلماء، وإنما اختلف العلماء في قول الصحابي، هل هو حجة أم لا؟ أما عمله فالكل متفق على أنهم رضي الله عنهم يصيبون ويخطئون وليس عملهم حجة على غيرهم, وقال بعض الحنفية: إن عمل الصحابي بمخالفة روايته يرد روايته، وليس هذا مما يتعلق بهذا الباب .
أما ابن حزم، رحمه الله، الذي يتعلق الكثيرون بإباحته للغناء, فالجواب عنه أن ابن حزم، رحمه الله تعالى، نقل الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريم الغناء، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (يأتي على الناس زمان يستحلون الحر والحرير والمعازف) فقال بعد روايته له: ولو صح هذا الحديث لقلنا به .
وهذا يدل على أن ابن حزم يرى صحة وجه الدلالة من الحديث المذكور على تحريم الموسيقى, وبذلك يتأكد لنا أن وجه الاستدلال من الحديث على التحريم، لا خلاف فيه، لكن الخلاف في صحته بين ابن حزم والجمهور، وقد تأكدت صحته من خلال دراسات العلماء الذين هم أغزر علماً من ابن حزم في مجال الحديث، وآخرهم الحافظ ابن حجر في كتابه تغليق التعليق.
وأضاف د. السعيدي: فإذا تحققت صحة الحديث، فالمسلم لا يحتاج لينكف عما نهاه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عشرة أحاديث أو عشرين, بل حديث واحد يكفي كي نطيع رسول ربنا .
وقال السعيدي: من يستمع إلى الغناء وهو يعلم بتحريمه، أحسن حالاً ممن يستمع إليه وهو يعلم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه في النهي عنه، ثم ينكر حرمته, وعليه أنصح المسلمين ألا يأخذوا دينهم إلا ممن عُرف عنهم الفتوى وعدم تتبع الشذوذات من فتاوى العلماء .
الزبيدي : الغناء و المعازف محرمة بإجماع أئمة المذاهب
اليامي: الكلباني أول من أفتى بإباحة الغناء مطلقاً في التاريخ
أحمد البراهيم – سبق – الرياض:
استنكر عضوا الدعوة والإرشاد بوزارة الشؤون الإسلامية، الشيخ إبراهيم بن محمد الزبيدي، والشيخ محمد بن سرار اليامي، فتوى الإمام السابق للحرم المكي الشيخ عادل الكلباني وإجازته للغناء والمعازف مطلقاً.
وأوضح الشيخ الزبيدي في بيان "أن طائفة من إخواننا المسلمين، وفقنا الله وإياهم، استزلهم الشيطان ففتحوا على الأمة باب إباحة اللهو والغناء في وقت الأمة أشد ما تكون في حاجة إلى العودة الصادقة إلى الله والتضرع إليه.
وشدد على أن الغناء والمعازف محرمة بإجماع أئمة المذاهب، وقد قرنت مع المقطوع حرمته وهو الزنا والخمر، فيما أكد الشيخ اليامي أن الكلباني أول من أفتى بإباحة الغناء مطلقاً في التاريخ قائلاً: " إن فتواه لم تبن على بحث للمسألة، وكان من الأولى أن يأتي بأدلة على بطلان أحاديث كثيرة دلت على تحريم الغناء، داعياً الكلباني إلى مراجعة رأيه، علّه يصيب الحق فيه.
رد الشيخ الزبيدي على فتوى الشيخ الكلباني
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونسأله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه والباطل باطلاً ويرزقن اجتنابه أما بعد:
فقد بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين، وفقنا الله وإياهم، استزلهم الشيطان واستغوى عقولهم ففتحوا على الأمة باب إباحة اللهو والغناء في وقت الأمة أشد ما تكون في حاجة إلى العودة الصادقة إلى الله والتضرع إليه، فخالفوا بذلك أقوال سلف الأمة من الصحابة والتابعين وشاقوا سبيل المؤمنين من الفقهاء والعلماء وحملة الدين {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} سورة النساء آية 115 . وقد حكى ابن الصلاح، رحمه الله، الإجماع على تحريم الغناء إذا اقترن به شيء من آلات اللهو.
فرأيت أن أوضح الحق بالحجج التي تضمنها كتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، وأبدأ بذكر أقوال العلماء الذين تدور الفتيا عليهم في أقاصي الأرض ودانيها.
فأول الأئمة الأربعة الإمام أبو حنيفة، رحمه الله، فمذهبه من أشد المذاهب في حكم الغناء وقوله فيه من أغلظ القول، فقال بتحريم الغناء وسماع الملاهي كلها كالمزمار والدف، وأنه معصية يوجب الفسق وتُرد به الشهادة، بل جاء في مذهبه أن سماع الغناء فسق والتلذذ به كفر. وقال الإمام مالك رحمه الله " إنما يفعله عندنا الفساق". أما الإمام الشافعي، رحمه الله، فقد صرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريم الغناء، والمتأمل في كلام الإمام الشافعي يجد أنه يحرم التغبير ويرى أنه يصد عن القرآن، التغبير شعر يزهد في الدنيا يغني به مغن ويضرب بعض الحاضرين بقضيب على جلد أو مخدة، فكيف لو سمع عن غناء اليوم وآلات اللهو الحديثة، وشدد، رحمه الله، في تحريم استماع الغناء من المرأة والأمرد، وذكر أن من أجمع الناس عليه فهو سفيه ترد شهادته وقال "هو دياثة فمن فعل ذلك كان ديوثاً ". أما الإمام أحمد إمام أهل السنة والجماعة، رحمه الله، فقال "الغناء ينبت النفاق" وقال بقول الإمام مالك "إنما يفعله عندنا الفساق".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله "ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي وهو سماع المشركين قال الله { وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} والمكاءُ التصفير والتصدية التصفيق باليد، أما النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك، ولم يجتمع النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه على استماع غناء لا بكف ولا بدف". وقال ابن القيم، رحمه الله، عن الغناء "يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى".
ويرى الإمام أبو بكر الطرطوشي، رحمه الله، أن من قال بحل الغناء فقد ابتدع في دين الله. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله "الاستماع إلى الأغاني حرام ومنكر ومن أسباب مرض القلوب وقسوتها وصدها عن ذكر الله وعن الصلاة، وإذا كان معه آلات لهو كان التحريم أشد". أما أدلة تحريم الغناء من الكتاب والسنة فكثيرة، أجتزئ بعضها لبيان الحكم وتتميماً للفائدة، فمن الكتاب.. قوله تعالى: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين } . والمراد بلهو الحديث هو الغناء وهو تفسير الصحابة كابن عباس وابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم، وكان ابن مسعود يقسم ويقول " والله الذي لا إله غيره هو الغناء " يعني لهو الحديث، ومثل هذا لا يقال بالرأي، والصحابة أعلم الناس بتفسير كتاب الله لأنهم تلقوا ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو قول مجاهد وعكرمة من التابعين، وقال الحسن البصري نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير. قال ابن القيم يكفي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث بأنه الغناء.
ومن السنة ما أخرجه البخاري، رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف" والتحريم من وجهين: الأول.. قوله "يستحلون" فإنه صريح في أن المذكورات ومنها المعازف هي في الشرع محرمة فيستحلها أولئك القوم.
الثاني.. أنه قرن المعازف مع المقطوع حرمته وهو الزنا والخمر، ولو لم تكن محرمة ما قارنها معها، ودلالة الحديث على تحريم الغناء دلالة قطعية، ولو لم يرد في المعازف حديث ولا آية سوى هذا الحديث لكان كافياً في التحريم.
كتبت هذا بياناً للحق وإيضاحًا لما حدث من لبس في حكم الغناء، وأسأل الله أن يردنا إليه رداً جميلاً وأن يصلح أحوال المسلمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
رد الشيخ محمد اليامي على الشيخ الكلباني
أكد الشيخ محمد بن سرار اليامي، عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية، والباحث الشرعي المعروف، أن ما ذهب إليه الشيخ عادل الكلباني إمام الحرم المكي السابق في تحليل الغناء، قد جانبه فيه الصواب، وقال اليامي: مع حبي وتقديري للشيخ الكلباني، وكون أني أحد جماعة مسجده، وأصلي خلفه في كثير من الأحيان، إلا أن الحق أحب إليَّ منه، وبالنسبة لحديثه الأخير حول تشييد البناء في حكم الغناء، أرى أن الشيخ لم يبحث المسألة، وإنما جاء بأقوال لأهل العلم، ووضعها في بحثه، وكان من الأولى أن يدلل على بطلان أحاديث كثيرة في باب تحريم الغناء، كالحديث الذي ورد في صحيح الإمام البخاري: (ليأتين أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، واتفق كل العارفين باللغة أن الموسيقا تدخل في حكم المعازف، كما أن قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم )، يؤيد القول بالتحريم، وهو ما حكاه الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود رضي الله عنه ، والذي أقسم أنه الغناء، وهو من أقرب الصحابة إلى القرآن الكريم، ومن أفهمهم له، ورأيه ليس كرأي غيره ممن ذكرهم الشيخ الكلباني، واستدل بحديثهم في المسألة.
ونبه اليامي الشباب بألا يغتروا بمثل هذه الأحاديث، وأن يستبينوا القول الحق في ذلك، وقدم تحذيره في التعاطي مع الفتاوى غير المنهجية، كما شدد على ضرورة انتباه العلماء وطلاب العلم، في أن يكونوا منبراً لتمرير بعض الثقافات، وبدلاً من ذلك عليهم أن يكونوا أكثر وعياً وإدراكاً، لما يقدموه للناس من فتاوى، وقال اليامي: إن سبيل الهدم في الشريعة يعمل أكثر من سبيل البناء، وطالب بضرورة أن يتصف المفتي بصفة الورع، لأن العلم بلا ورع يورد للمهالك، لأن الصحابة لم يكونوا يفتون في كل شاردة وواردة، بل كانوا يتروون كثيراً، وخصوصاً في مسائل الخلاف.
ووجه اليامي حديثه إلى الكلباني، مشدداً في أن استدلاله بحديث ابن حزم، وهو الذي لم يقل بإباحة الغناء مطلقاً، كما يرى الكلباني، بل ابن حزم نفسه قيد ذلك بخلوه من المجون والإسفاف، مع تحفظ كثير من العلماء على رأيه، وأدعوه إلى مراجعة رأيه، علّه يصيب الحق فيه.
قال إن الأدلة على تحريم المعازف كثيرة ومنها ما ورد في صحيح البخاري
البصيري لـ"سبق": الشيخ الكلباني خلط بين الغناء والمعازف
إبراهيم العبد اللطيف- سبق- الرياض: رد الشيخ سلطان بن عثمان البصيري القاضي بالمحكمة الإدارية بالمدينة المنورة على كلام الشيخ عادل الكلباني الذي أباح فيه الغناء والمعازف وقال: إن الشيخ الكلباني خلط بين الغناء والمعازف.
وقال البصيري: حقيقة الغناء تختلف عن حقيقة المعازف، فالغناء نوع من الشعر، يتعلّق الحكم بلفظه أو معناه أو القصد منه أو الطريقة التي يُلقى بها ، وأما المعازف فهي آلات الموسيقى ، وقد سمّاها بعض السلف- رحمهم الله- آلات اللهو أو الملاهي.
وأضاف أن الأدلة على تحريم المعازف كثيرة ومنها ما ورد في صحيح البخاري.
جاء ذلك في حوار أجرته "سبق" مع الشيخ سلطان البصيري، وفيما يلي نصه:
في البداية ما رأيكم في رسالة الشيخ الكلباني "تشييد البناء في إثبات حلّ الغناء" التي حلل فيها الغناء؟
الرسالة لم تؤصّل المسألة تأصيلاً علمياً، فمن أبجديات التأصيل العلمي التعريف بمفردات الموضوع ، وهو ما لم يحدث في الرسالة ، كتعريف الغناء ، وتعريف المعازف ، فواضح في الرسالة الخلط بين الغناء والمعازف، ولا شك أن حقيقة الغناء تختلف عن حقيقة المعازف، فالغناء نوع من الشعر، يتعلّق الحكم بلفظه أو معناه أو القصد منه أو الطريقة التي يُلقى بها، وأما المعازف فهي آلات الموسيقى ، وقد سمّاها بعض السلف- رحمهم الله- آلات اللهو أو الملاهي.
هل صحيح أنه لم يرد نص صحيح صريح في تحريم الغناء والمعازف كما قال الشيخ الكلباني؟
ليس صحيحاً، وقبل الجواب على سؤالك انبّه إلى أنه ينبغي أن يُعلم أن النص في علم أصول الفقه هو اللفظ الصريح ، فلا حاجة إذاً لتقييد النص بالصّراحة ، وتقييد النصّ بالصراحة في الرسالة يُبيّن الخلط لدى الكاتب بين معنى النصّ عند الأصوليين وأحد معانيه في اللغة وهو العبارة ، وهو المشتهر عند الناس ، ففرق بين أن تقول : نُصّ على كذا ، وأن تقول نصّ الكلام كذا ، فالأول هو اللفظ الصريح ، والثاني العبارة .
وأما الأدلة الصحيحة على تحريم المعازف فكثيرة ، وسأكتفي بدليل واحد من صحيح البخاري ، الذي تلقته الأمة بالقبول ، وهو أصحّ كتاب بعد كتاب الله تعالى ، فقد ثبت في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ليكونن أقوام من أمتي يستحلّون الحر والحرير والخمر والمعازف)، فتأمل قوله يستحلّون، أي أنها محرمة وهم يستحلّونها ، والحِرَ هو الفرج أي الزنا، والحرير أي لبس الرجال له ، وشرب الخمر ، والمعازف ، فهذا دليل من أدلّة تحريم المعازف ، وإن كان قد ضعّفه ابن حزم بدعوى أن البخاري لم يصرّح فيه بسماعه من شيخه هشام بن عمّار، فإن الحديث ثابت عند غير البخاري لو سلّمنا بقول ابن حزم الذي خالف به جماهير علماء المسلمين، بل خالف الأمة في قبولها لصحيح البخاري ، وقد جمع بعض أهل العلم طرق الحديث عند غير البخاري فزادت عن اثني عشر طريقاً، كما في كتاب تحريم آلات الطرب للألباني رحمه الله.
وكانت شبهة ابن حزم هي الشبهة التي تعلّق بها من أجاز المعازف، ولكن كما قال الألباني عن ابن حزم إنه اجتهد فأخطأ ولذا هو معذور باجتهاده ، لكن من عرف خطأه وتابعه فما عذره عند الله.
وللعلم فإنه يُستثنى من تحريم المعازف الدف للنساء فقط ، في ليلة العرس وأيام العيد ، فقد شُرع في ليلة العرس ، وأبيح أيام العيد ، على الصحيح وزاد بعض أهل العلم عند الختان وقدوم الغائب لورود أحاديث في جواز ذلك.
وأما بالنسبة للغناء فقد عرفنا أنه شعر ، والحكم فيه يتعلّق بلفظه أو معناه أو القصد منه أو الطريقة التي بها أُلقي ، فإن دخل الفساد على لفظه أو معناه أو القصد منه أو الطريقة التي ألقي بها كان حراماً ، ومثال فاسد اللفظِ اللفظُ الدالّ على سبّ الدين أو اللفظُ الفاحش ، ووجه فساد هذين المثالين واضح ، ومثال فاسد المعنى قول لبيد في عجز بيت له: وكل نعيمٍ لا محالةَ زائلُ، فهذا فاسد المعنى لأن نعيم الجنة لا يزول، وقد أنكر الصحابي الجليل عثمان بن مضعون رضي الله عنه قولَ لبيد كما في الطبراني ، ومثال فاسد القصد كالشعر الذي ظاهره طيّب ولكن القصد منه هو السوء كالطعن في الأنساب وتأجيج الغرائز ، ومثال فاسد الطريقة ما كان على طريقة أهل المجون من تثنٍّ وتصفيق وضرب بالأرجل وهزٍّ بالأجساد والرؤوس ، لعموم أدلة النهي عن التشبه ، كالحديث الصحيح الذي رواه أبو داوود وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من تشبّه بقوم فهو منهم ) ، فأحاديث النهي عن التشبّه دلّت على أن مجرّد التشبّه يُدخل المتشبِّه في دائرة من تشبّهَ بهم ، بالإضافة إلى أن التشبه في الظاهر يورث التشبه في الباطن ولابدّ ، كما بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم).
إذاً الشعر الذي لم يدخل الفساد لفظه أو معناه أو القصد منه أو طريقة إلقائه لا بأس به؟
نعم ، وللتنبيه قد يُطلق بعض أهل العلم ولاسيّما المتقدمين على إنشاد الشعر كالحداء مثلاً اسمَ الغناء ، ولكن هذا لا يغيّر من حكم الغناء المحرّم شيئاً ، فإن الشريعة لا تُعلّق الأحكام بالأسماء وإنما بالحقائق ، فمثلاً هناك من يُسمّي الخمر شراباً روحياً فهل هذا يُغيّر من حكم الخمر ؟ ، وبالمناسبة أقول : من لا يعرف مراد الناس من كلامهم حمّلهم غير ما يقصدون ، فمثلاً ورد في بعض تراجم بعض الأئمة أنهم صوفية ، لكن ليس المراد بالصوفية هنا الطائفة المعروفة بمخالفاتها العقدية ، بل المقصود هنا الفئة المعروفة بالزهد، لأن الزهاد كانوا معروفين بلبس ما نسج من الصوف ، فعوداً على بدء أقول: تعليق الحكم بالمسميّات ليس من التأصيل العلمي.
ولكن قد نقل الشيخ الكلباني في رسالته بعض الأقوال والأفعال لبعض العلماء ومنهم الأئمة الأربعة مستدلاً بها على صحّة كلامه؟
أولاً: العبرة بالدليل من الكتاب أو السنة ، وأما أقوال الرجال وأفعالها فإنه يُستدل لها ولا يُستدل بها ، أي يُطلب الدليل لها وليست هي دليلاُ، فإنه لا أحد معصوم بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهذا أمر يبيّن أنه ليس من التأصيل العلمي الاستدلال بأقوال الرجال وأفعالها، ولو نظرت في كتب الأصول في المذاهب قاطبة لم تجد منها أن أقوال الرجال تؤخذ كدليل ، اللهم الأخذ بها استئناساً، أي زيادة في الاطمئنان ، وثانياً: لم يُنقل عن الأئمة الأربعة إلا تحريم الغناء فليأت بما يُثبت إباحتهم له ، وثالثاً: ليس كل من ذكرت أسماؤهم في الرسالة من أهل العلم ، بل ليسوا كلهم من أهل السنة ، ففيهم صوفية ، ومن المعلوم أن الصوفية لا يُبيحون الغناء فقط ، بل يتعبدون به ويرون أنه أفضل الذكر! ويسمونه السماع ، ويتأثرون به ، ويبكون عنده ، كما قاله عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المجلد الحادي عشر من مجموع الفتاوى ، وغيره.
قال الشيخ الكلباني (لو نظرت في الكتاب والسنة النبوية ستجد أن كل ما أراد الله تحريمه قطعا نص عليه بنص لا جدال فيه، وهكذا كل ما أوجبه الله ، نص عليه نصاً لا جدال فيه، وكل ما أراد أن يوسع للناس ويترك لهم المجال ليفهموا من نصوص كتابه، أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم جاء بنص محتمل لقولين أو أكثر) وقال (فوجود الخلاف فيه دليل آخر على أنه ليس بحرام بين التحريم ، كما قرر الشافعي. وقد قال ابن كثير رحمه الله، إذ تكلم عن البسملة واختلافهم في كونها من الفاتحة أم لا ، قال ما نصه : ويكفي في إثبات أنها ليست من الفاتحة اختلافهم فيها) أليس كلامه صحيحاً؟
لا ، ليس صحيحاً ، هل كل حكم منصوص عليه! وأين دليل الإجماع ودليل القياس وسائر الأدلة التي يستدل بها العلماء، في المذاهب الأربعة وغيرها كقول الصحابي والاستحسان والمصالح المرسلة وشرع من قبلنا ، أين العمل بالقواعد الفقهية ، ولا سيّما الكبرى منها ، الأمور بقاصدها ، اليقين لا يزال بالشك ، المشقة تجلب التيسير .. الخ ، ما هذا؟ ثم إن ابن كثير رحمه الله أثبت واقعة الاختلاف ولم يبن الحكم عليها ، فمن المعلوم أن الحكم الشرعي له علّة يدور معها وجوداً وعدماً ، فاستشهاده بكلام ابن كثير ليس في محلّه.
كلمة أخيرة؟
أنصح إخواني المسلمين بما قاله محمد بن سيرين رحمه الله: (إن هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذون دينكم).
لكم رؤية في الحفلات المتنقلة التي تقيمها "طيور الجنة" تناولتم فيها الحفلات والأناشيد والقنوات هل لنا تناول هذه الرؤية؟
نعم لقد كتبت رؤيتي في مقال بعنوان "الأناشيد .. والحفلات والقنوات" وفيما يلي نصه: الأناشيد أصلها شعر، والشعر قال فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (حسنُه حسن ، وقبيحُه قبيح) رواه البخاري في الأدب المفرد.
ووجه الحسن وكذلك القبح في الشعر عند التأمل في أربع صفات تُلازم الشعرَ المُنشَد ، وهي اللفظ والمعنى والقصد والطريقة، فأيّ شعر فاسد اللفظ شرعاً لا يجوز نظمه وإنشاده ، وكذلك فاسد المعنى وفاسد القصد وفاسد الطريقة.
ومثال فاسد اللفظِ اللفظُ الدالّ على سبّ الدين أو اللفظُ الفاحش ، ووجه فساد هذين المثالين واضح، ومثال فاسد المعنى قول لبيد في عجز بيت له : وكل نعيمٍ لا محالةَ زائلُ ، فهذا فاسد المعنى لأن نعيم الجنة لا يزول ، وقد أنكر الصحابي الجليل عثمان بن مضعون رضي الله عنه قولَ لبيد كما في الطبراني ، ومثال فاسد القصد كالشعر الذي ظاهره طيّب ولكن القصد منه هو السوء كالطعن في الأنساب ، ومثال فاسد الطريقة ما كان على طريقة أهل الغناء المحرّم من تثنٍّ وتصفيق وضرب بالأرجل وهزٍّ بالرؤوس ، لعموم أدلة النهي عن التشبه ، كالحديث الصحيح الذي رواه أبو داوود وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من تشبّه بقوم فهو منهم)، فأحاديث النهي عن التشبّه دلّت على أن مجرّد التشبّه يُدخل المتشبِّه في دائرة من تشبّهَ بهم.
وإذا تأمّلنا أكثر أناشيد اليوم وجدناها من الصنف الرابع الذي هو فاسد الطريقة ، فتجد المنشد يخرج بطريقة تُحاكي طريقة أهل الغناء تقليداً لهم فيما يُسمونه بالأعجمية clip، ويزداد الطينُ بلّة عندما يُضيفون لإنشادهم الموسيقى ، ولا شكّ في تحريمها بنصّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أحد عشر راوياً غير البخـاري ، ونص الحديث: (ليستحلّن أقوامٌ من أمتي الحر والحرير والخمر والمعازف)، فهم يُضيفون لإنشادهم بعض الأصوات الموسيقية المسجّلة ، التي يسمّونها إيقاعات ومؤثرات، ويزعمون أنها ليست من آلات موسيقية مباشرة! ولا أدري ما الفرق في الحكم بين الصوت المباشر والصوت المسجَّل !
ثمّ القابعة في تسمية عملهم هذا بالنشيد الإسلاميّ! وكأن الإسلام يرتضيه!.. نعم، أنا لست ضدّ تسمية ما انضبط بشرع الله بإسلامي، أو ما عُرِف به المسلمون بإسلامي، فقد جاءت هذه التسمية في كتب السلف لما عُرف عن المسلمين ، كقول الحجاوي في زاد المستقنع في كتاب الصلاة: (أو محاريب إسلامية ، وغيره كثير، لكن أن يُظهر الباطل على أنه من الحق هذا ما لا يسلكه من أراد أن يدلّ عباد الله إليه.
وإن ما تقوم به بعض القنوات في برامج حفلاتها لهو من الباطل التي تُظهره على أنه حقّ ، فشكر الله لمن احتسب في الإنكار عليهم، وحاشا لله أن يخذل من دلّ عباده إليه.
وفي الختام أقول: إن مما يُنبّه له أن حديث المعازف الآنف ذكره الذي رواه البخاري وأحد عشر راوياً غيره ، قد ضعّفه ابن حزم الظاهري من طريق البخاري لعلّة في إسناده ، ولم يحكم بصحة الحديث من طريق غيره وكلّها صحيحة ، وقد خالف بذلك جمهور السلف في تحريم المعازف، كما ذكر ذلك ابن الصلاح، ولكن كما ذكر الألباني في كتابه (تحريم آلات الطرب) اللوم على من عرف خطأ ابن حزم فتابعه عليه.. ما عذره عند الله.
كل التحايا لكم